ابن حزم
8
رسائل ابن حزم الأندلسي
وتتحدث عن فضائله ( بل وأحيانا عن كثرته وتنوعه ) دون توضيح للمراد ، وأما محدوديتها فتتبين لنا حين نجد لفظ العلم مقصورا على طلب الحديث ، فإذا اتسع شمل الفقه أو التفقّه على وجه من الوجوه في شؤون الدين « 1 » ؛ فلما وجد هؤلاء المفكّرون أن لفظة « علم » لم تعد تغني كثيرا في الدلالة على ضروب المعارف - الأصيل منها والمستحدث - جعلوا يتحدثون عن « العلوم » بصيغة الجمع حينا ، أو يوسّعون من مدلول لفظة « علم » حينا آخر بما يدرجون تحتها من تفريعات ، وكان الإحساس بقوة المفارقة بين تيارين كبيرين - تيار الثقافة الأصيلة وتيار الثقافة المستحدثة - يجعل التصنيف عملا ملحّا لأنه يخضع ذينك التيارين لوحدة فكرية ، ويطمس ما قد يظنّ بينهما من تعارض ، ويتيح للتيار المستحدث وجودا معترفا به ، ويرسّخ أصوله ، ويستدعي - على مرّ الزمن - قبوله . وكان أمام أولئك المفكرين نموذج في التصنيف يمكنهم احتذاؤه إذا شاءوا ، وهو ما يمكن أن نسميه على وجه التعميم النموذج اليوناني ، فقد كان لدى أفلاطون تصوّر واضح لتصنيف العلوم ، وكذلك كان الحال بالنسبة لأرسطاطاليس ، وكان هذا النموذج يستثير هؤلاء المفكرين إلى الإفادة منه وإلى اختبار مدى صلاحيته لأوضاعهم الثقافية التي لم تكن بالضرورة مشبهة لأوضاع المجتمع اليوناني ، كما أنّ وجود هذا النموذج لدى الفيلسوفين الكبيرين كان يعني أن التصنيف للعلوم جزء من مهمّة المفكّر ، وأنه لا يجوز لمن أخذ بسهم من الدراسة الفلسفية أن يهمل هذه الناحية ، لأنّ مزاولتها تعني دربة فكرية على رؤية الأصول والفروع ، وإبرازا للقدرة على التصوّر الواضح لأنواع المقولات . وكان الجو مهيّأ لاستخدام تلك القدرة الفكرية في مجالين ؛ أولهما الردّ على تلك التفريعات الساذجة للعلم من مثل « العلم أربعة : الفقه للأديان والطبّ للأبدان والنجوم للأزمان والنحو للسان » « 2 » ، أو مثل « العلم علمان : علم يرفع وعلم ينفع ، فالرافع هو الفقه في الدين والنافع هو الطب » « 3 » ، ومن هذا القبيل ما يرويه ابن عبد البرّ عن أبي إسحاق الحوفي ( وقد تفوق في الرؤية على ما سبق ) : « العلوم ثلاثة : علم دنياوي وعلم دنياوي وأخروي وعلم لا للدنيا ولا للآخرة ، فالعلم الذي للدنيا علم الطب والنجوم وما أشبه ، والعلم الذي للدنيا والآخرة علم القرآن والسّنن والفقه فيهما ، والعلم الذي ليس للدنيا
--> ( 1 ) في دلالة لفظة « علم » على الحديث وحده ، انظر مثلا تقييد العلم للخطيب البغدادي ، تحقيق يوسف العش ( الطبعة الثانية 1974 ) وخاصة الحاشية : 2 ص : 5 . ( 2 ) ربيع الأبرار للزمخشري 3 : 193 . ( 3 ) ربيع الأبرار 3 : 201 .